أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

295

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 36 إلى 40 ] قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 36 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 37 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 38 ) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قوله : . . . مِنْ صَلْصالٍ . . . . من : لابتداء الغاية ، أو للتبعيض ، والصّلصال : قال أبو عبيدة : « هو الطّين المختلط بالرّمل ، ثم يجف فيسمع له صلصلة ، أي : تصويت . وقال الزمخشري : « الطّين اليابس الذي يصلصل من غير طبخ » ، فإذا طبخ فهو فخّار . وقال أبو الهيثم : « هو صوت اللّجام ، وما أشبهه ، كالقعقعة في الثّوب » . وقال الزمخشري - أيضا - : « قالوا إذا توهمت في صوته مدّا فهو صليل ، وإن توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة . وقيل : هو من تضعيف « صلّ » إذا أنتن انتهى . « و صَلْصالٍ - هنا - بمعنى : مصلصل ، ك « زلزال » ، بمعنى : مزلزل ، ويكون فعلال أيضا مصدرا ، نحو : الزّلزال ، ويجوز كسره أيضا ، وفي وزن هذا النوع أعني : ما تكررت فاؤه وعينه خلاف ، فقيل : وزنه فعفع كررت الفاء والعين ولا لام للكلمة . قاله الفراء وغيره . وهو غلط ، « لأنّ أقل الأصول ثلاثة : فاء ، وعين ، ولام » . الثاني : أن وزنه « فعل » ، وهو قول الفراء . الثالث : أنه فعّل بتشديد العين ، وأصله : صلّل ، فلما اجتمع ثلاثة أمثال أبدل الثاني من جنس فاء الكلمة . وهو مذهب كوفي . وخصّ بعضهم هذا الخلاف بما إذا لم يختل المعنى بسقوط الثالث ، نحو : لملم وكبكب ، فإنك تقول فيهما : لمّ وكبّ ، فلو لم يصح المعنى بسقوطه ، نحو : سمسم ، قال : فلا خلاف في أصالة الجمع . قوله : مِنْ حَمَإٍ فيه وجهان : أحدهما : أنه في محل جر صفة ل « صَلْصالٍ » فيتعلق بمحذوف . والثاني : أنه بدل من « صَلْصالٍ » بإعادة الجار ، والحمأ : الطّين المنتن . قال الليث : واحده . حمأة ، بتحريك العين . جعله اسم جنس ، وقد غلطع في ذلك ، فإنّ أهل اللغة قالوا : لا يقال : إلّا حمأة بالإسكان ، ولا يعرف التحريك . نصّ عليه أبو عبيدة ، وجماعة ، وأنشدوا لأبي الأسود : 2967 - تجيء بملئها طورا وطورا * تجيء بحمأة وقليل ماء « 1 » فلا يكون « الحمأة » واحدة « الحمإ » لاختلاف الوزنين . والمسنون : المصبوب من قولهم : سننت الشّراب ، كأنه لرطوبته جعل مصبوبا كغيره من المائعات . فكأن المعنى : أفرغ صورة إنسان كما يفرغ الجواهر المذابة . قال الزمخشري : « وحق مسنون » بمعنى مصوّر ، أن يكون صفة ل « صَلْصالٍ » « كأن أفرغ الحمأ ، فصوّر منه تمثال شخص » . « قلت : يعني أنه يصير التقدير : من صلصال مصوّر ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصريح ، إذا جعلنا من « حَمَإٍ » صفة ل « صَلْصالٍ » أمّا إذا جعلناه بدلا منه فلا . وقيل : « مَسْنُونٍ » مصوّر من سنّة الوجه ، وهي صورته ، قال :

--> ( 1 ) البيت في مجاز القرآن ( 1 / 413 ) ، وانظر البحر المحيط ( 5 / 443 ) .